Nabil hanna

الخوف من المستقبل

قليلٌ منه ينفع!

نحن مدينون للخوف بحياتنا… ربما تصدمك أو تفاجئك هذه العبارة. لكنها تحمل شيئًا من الحقيقة. ولكي نكتشف هذا نتعرف أولًا على معنى الخوف ومصدر الشعور به. ينتج الخوف عن شعورنا بالخطر أو التهديد مما ينتج بعض الأعراض في الجسم كالتجمد أو الهروب… والهدف من هذا السلوك حماية النفس من أي أخطار قائمة أو محتملة. ليس هذا فحسب، فالخوف أيضًا ربما يساعدك على الإنجاز؛ فقبل خوض امتحان أو التعرض لموقف صعب، يشعر الإنسان ببعض الخوف الذي يحفزه ليصنع أفضل ما لديه.

ومن أحد أهم أسباب الخوف لدى الإنسان هو المستقبل؛ فالإنسان عادةً يخاف من المجهول، خاصة لو كانت الظروف الحاضرة تنبئ بخسائر أو مخاطر. فعندما تعرض العالم كله لتداعيات جائحة كورونا، عام 2020، فقد الكثيرون وظائفهم، وأصحابهم وأحباءهم، وأصيب كثيرون أيضًا، كان الخوف من الغد هو عنوان هذه المرحلة. ومع اشتعال أزمات الحرب الروسية الأوكرانية في مارس 2022، وما تلاه من أزمات اقتصادية دولية، ومخاوف من حدوث أزمة في الغذاء، شعر كثيرون أيضًا بالخوف من المستقبل.

نوعان من الخوف

عند هذه النقطة، دعني أفرِّق بين نوعين من الخوف؛ النوع الأول هو نوع طبيعي وصحي أيضًا، أو يُسمَّى الخوف المنطقي، فمن الطبيعي أن أشعر بالخطر إذا رأيت العديد من الأشخاص من حولي يفقدون وظائفهم، أو يُصابون بعدوى، ويكون هذا الخوف مفيدًا عندما أفكر فيه بشكل منطقي لأحلل النتائج، وأتوقع الخسائر المحتملة، وأدرس كيفية تجاوزها… أما عن النوع الثاني، فهو نوع قهري من الخوف، يشل تفكير الإنسان ويعمي عينيه عن رؤية الفرص المتاحة أو الحلول الممكنة، وربما يصيب الشخص بنوبات من الهلع والقلق، ويمتد تأثيره السلبي ليؤذي الصحة العامة للجسد. الفارق الأساسي بين نوعي الخوف هو أن الخوف الطبيعي ينتهي بانتهاء أسبابه، بينما الخوف المرضي والقهري لا ينتهي حتى لو زالت أسبابه.

كيف يرى الكتاب المقدس الخوف من المستقبل؟   

 عادةً عندما يصنع الإنسانُ شيئًا ما -سيارة مثلًا أو جهازًا كهربائيًّا- يكون مدركًا لكافة تفاصيله، وكيفية الحفاظ عليه وما إلى ذلك، وهكذا الله، الذي خلقنا، نحن خليقة الله، أي هو صنع كل شيء بداخلنا، المشاعر والهرمونات وأعضاء الجسم كلها، لذا فهو يعرف ما يشعر به الإنسان، ويعرف جيدًا أن الإنسان لديه مخاوف، فالله هو العالم بكل شيء.

لهذا السبب، تعامل الكتاب المقدس مع مشاعر الخوف في كافة المواقف ومختلف الأسفار؛ وهو يتعامل بمنطق يحترم عقل الإنسان، ومشاعره. فكثيرًا ما وردت عبارة “لا تخف…”، أو “لا تخافوا…”، بمختلف صيغها في الكتاب المقدس. لكن الملاحظ أن في أغلب المرات التي قال فيها الله لإنسان ما لا تخف، كان يلحقها بسبب منطقي يطمئن الإنسان، مثل لأني معك، لأني حفظتك… وما إلى ذلك؛ لننظر مثلًا لما قاله السيد المسيح بشأن الخوف من المستقبل في إنجيل متى الإصحاح السادس، الآيات من 25 وحتى 28: “«لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟ وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ.

لا يدعو السيد المسيح هنا إلى التواكل أو عدم بذل المجهود، بل على العكس، هو يبعث الشعور بالاطمئنان والسلام الذي يمكِّن الإنسان من الإنتاج والإبداع. لهذا، يمكن تلخيص الرسالة الأساسية للكتاب المقدس في موضوع الخوف فيما يلي: “اعمل ما عليك، ودع الله يكون الله، وبهذا لا تخف من المستقبل”.

الخوف من المستقبل ج1 قراءة المزيد »

ابتسامتُك تصنع فرْقا!

فى هذه المقالة نتكلم عن المحور الثالث من علاقات المؤمن الجَديد، وهو العلاقات مع إخوته المؤمنين الجُدد، فعاجلا أو آجلا، سيتقابل معهم، سواء بترتيب، أو حتى بالصدفة البحتة، وربما يكون متشوقا لرؤيتهم؛ وليطمئن أنه ليس بمفرده في الطريق الصعب، وربما يكون متوجسا بالمخاوف، وهل اختبار هؤلاء المؤمنين حقيقى أم لا، أو ربما هو مجرد مشاعر خاصة به، عامةً مهما كانت طبيعة شخصية هذا المؤمن، ومدى اختباره ومدته؛ فهذه بعضُ توصيات من خلال خبرات واقعية، وما هى إلا إشارات سواء تششجيعية أو تحذيرية تحميه وتسهل عليه إقامة علاقات ناجحة معهم، تمنع ظهور مشكلات جديدة لا حاجة لها على الإطلاق:

  • تشجع لمقابلة المؤمنين الجُدد، ربما ابتسامتك الصادقة المحبة تمنحهم السلام والاطمئنان لعمل الله فيهم، وتعطيهم الأمل في إمكانية عودة الكثيرين للحق.
  • كن بسيطا واضحا تلقائيا ولا تتصنع شخصية غير شخصيتك.
  • إذا طُلب منك ذلك شارك باختبارك وكم صنع الله معك.
  • لا تتسرع لمعرفة كل تفاصيل حياتهم ولا تقتحم خصوصياتهم.
  • لا تتسرع في إعطائهم رقم تليفونك أو عنوانك أو حتى الفيسبوك الخاص بك، ولا تطلبه منهم.
  • لا تقصر العلاقات معهم فقط وتترك العلاقات مع المسيحيين المؤمنين، فكلنا جسد واحد نحتاج لبعضنا بعضا.
  • لو كانت لديك خبرة أكثر من غيرك من المؤمنين الجُددأو سبقتهم بوقت لا تجعلهم يشعرون بأى كبرياء أو تفاخر في معلوماتك، ولا تفرض عليهم كنيسة معينة، بل عرفهم أنهم ملك المسيح نفسه، وهو الذى يقودهم للمراعى الخصبة ولجداول المياه.
  • ولو كنت مؤمنا جديدا ركز على المسيح وتعلق به، وتكلم معه باستمرار؛ ليفتح لك الباب لكنيسة مناسبة ومجموعة روحانية تبنيك وتسندك وتُعطيك تعليما يشبعك.
  • ربما تكون مقابلتك لمؤمن جديد آخر ترتيبا إلهيا لتسندوا بعضكم بعضا في الطريق؛ فلا تُجهض الفرصة وعامله بقداسة ولطف خصوصا لو من الجنس الآخر.
  • مهم جدا أن يكون لك مرشد روحي مسيحى الأصل تقي خبير متخصص؛ لتستشيره في أية مشكلة أو موضوع يخص علاقتك بإخوتك العابرين، ربما يحميك من مخاطر عديدة، وربما يوفر عليك مشقات كثيرة، وربما يوفر لكم فرصا عديدة للنمو في الحياة مع المسيح.
  • لا تستغل أحدا من إخوتك العابرين ولا تسمح لأحد بأن يستغلك؛ فالمسيح دفع فيكم ثمنا غاليا جدا ومن يؤذى قطيع المسيح يعرض نفسه لدينونة المسيح شخصيا.
  • أساس المسيحية هو الحب العامل والباذل وهو علامة المسيحيين وبدونه لا توجد مسيحية؛ فاجعل الحب المسيحى النقى هو دافعك للعلاقة مع إخوتك، وهو طريقك في التعامل معهم، وهو عملك الظاهر في خدمتهم.
  • راعِ بشدة مشاعر إخوتك العابرين فحساسيتهم شديدة جدا، ولا تنسَ اختلاف الشخصيات والخلفيات الثقافية والتعليمية والبيئية والمادية، إذ قد تجرح كلماتك أو تصرفاتك الآخرين، ولا تنسَ أن الشيطان يسعى دائما لتخريب العلاقات.
  • كل مؤمن له قصة مختلفة، واختبار مختلف، وله خطة إلهية لحياته، بالطبع مختلفة، فلا تضع نفسك مكان الله، وتتدخل فيما لا يخصك، لكن صلوا معا دائما؛ لمعرفة مشيئة الله لحياتكم.

ابتسامتُك تصنع فرْقا ج3 قراءة المزيد »

مؤمن جديد .. واستايل جديد!

سبق أن تناولنا في المقالة الماضية نُبذةً سريعة عن الطريقة التي على “المؤمن الجديد” أن يتعامل بها مع مجتمعه ودوائره ومحيطه السابق، أي مجتمع ما قبل إيمانه بالسيد المسيح.

هنا سيجد “المؤمن الجديد” نفسه أمام تحدٍّ آخر لا يقل صعوبةً عن تحدي تعامُله مع مجتمع “ما قبل الإيمان” ألا وهو المجتمع الجديد “المجتمع المسيحي”.

مشاعر مختلطة .. ما بين الفرح والحذر

يشتاق “المؤمن الجديد” كثيرا للمجتمع الكنسي، يشتاق وبشدةٍ أكثر وأكبر أن ينضم لكنيسةٍ محلية، أو إخوة مؤمنين، يشتاق لأجواء من العبادة والتسبيح، أجواء من الشركة مع إخوة مسيحيين، أو إخوة من نفس خلفيته وظروفه.

هنا نجد أن “بعض” المؤمنين الجُدد تُتاح لهم تلك الفرصة، وهي فرصة غير شائعة الحدوث لدى الأغلبية بسبب ظروف شرقنا الأوسط، لكن مَن تتسنى له هذه الفرصة يمر بمشاعرَ مُختلَطة متقلبة كثيرة.

فللوهلة الأولى من دخوله كنيسة محلية، يخالطه هذا المزيج من الفرح العارم أنه دخل بيت الرب، وأن صار بإمكانه أن يتعبد مثل باقي المسيحيين، وشعوره بالخوف والرهبة.

خوف من أن ينكشف أمره لأي سبب. ورهبة من إحساسه بعدم قدرته على التعامل أو التواصل أو الاندماج مع هذا العالم الجديد الغريب عليه.

يختلط ويتضارب لديه وعليه رغبته في الانطلاق وسط هذا التجمع والوسط والتعرف على الجميع ومشاركتهم باختباره، وخوفه من عدم قبوله أو تقبُّله أو خطورة لو تعرف عليه أحد.

هنا يتحتم علينا أن نُقدم ونُسدي بعضَ النصائح والاقتراحات لـ”إخوتنا المؤمنين الجُدد”!

  1. الحيطة والحذر

يتوجب على “المؤمن الجديد” أن يتحلى بالحكمة والقدرة على ضبط مشاعره وانفعالاته كما سبق وأوضحنا في المقالة السابقة، فيكون حكيما حريصا منضبطا في كل كلمة تخرج منه في بداية تعرفه وتواصله مع هذا المجتمع الجديد، لأن كلماته قد تجعل المحيطين إما يخشون منه أو يطمأنون إليه وينفتحون عليه لأن المجتمع الجديد (الكنسي) أيضا تكون لديه مخاوف في البداية من “المؤمنين الجُدد”.

  • عدم التسرُّع والاندفاع

عندا يبدأ “المؤمن الجديد” في الشعور بالارتياح والاطمئنان وسط المجتمع الجديد “الكنسي” قد يريد بكل حماسة واندفاع أحيانا أن يتشارك مع الجميع باختباره وكل تفاصيله وأحيانا خصوصياته وأسراره، وقد يكون سعيدا جدا جدا بتعرُّفه على أشخاصٍ جُدد فينفتح على الجميع مرةً واحدة بنفس المقدار والاندفاع والحماسة والفرح، هذا على قدر ما هو رائع على قدر ما يُفقد “المؤمن الجديد” بعض خصوصياته وأسراره وقد يجعل حكايته تنتنشر كانتشار النار في الهشيم ما قد يجعل أمر إيمانه معروفا أو مُتداولا وهذا ليس في خير أو مصلحة “المؤمن الجديد”.

  • اكتشاف الآخر

على “المؤمن الجديد” أيضا كما أشرنا ونوَّهنا في المقالة السابقة أن يتعلم عن الآخر يتعلم عن لغته وثقافته وخلفياته، لا يحاول أن يصطنع لغةً مسيحية ليتقرب من المسيحيين لكن أن يبدأ في الدخول إلى الروح المسيحية من حيث الوداعة والمحبة واللغة الإيجابية المشجعة وكلمات الإيمان التي يتعلمها ويكتسبها من كلمة الله والتعليم الكتابي الذي يستمع إليه.

أن يبدأ في تشرُّب الروح والمباديء المسيحية من صدق وأمانة وسماحة واستقامة وجدية ومحبة للجميع وهدوء وغفران، فالقلب يُقرَأ، فأي تغيير داخلي ينتج عنه “سلوك خارجي” يستطيع أن يلمسه ويتفاعل مع المجتمع الكنسي، وكلما لمس ووجد عضو المجتمع الكنسي من أخيه “المؤمن الجديد” لغةً وروحا وأرضية مشتركة على مستوى الفكر واللغة والقلب والروح والتغيير، وجد بيئةً خصبة تتيح التواصل السهل السلس المريح البنَّاء الفعَّال.

  • إرسال رسائل طمأنينة لهذا المجتمع

على قدر ما يفرح المجتمع المسيحي باي “مؤمن جديد”، على قدر ما كثيرا يخشى – على الأقل في البداية – من هذا المؤمن، قد يخشى ألا يكون حقيقيا أو أن يكون مدسوسا أو يخشى من حدوث مشكلات، هنا على “المؤمن الجديد” أن يرسل ويبعث بـ”رسائل طمأنينة” تبث في نفوس أعضاء المجتمع الكنسي الراحة والارتياح تجاهه، كأن يتعامل بحرص وعدم اندفاع أن يجد في سلوكياته روح المحبة الكنسية ووداعتها أن يجد فيه قلة الكلام والثرثرة أو القيل والقال أن يطمأن أن قلبه تلامس فعلا مع نور الحق الإلهي أن يجده يتواصل معه بلغة مفهومة مشتركة. هذا كله من شأنه أن يُطمئن المجتمع الجديد لهذا العضو الوافد الجديد ويجعل التعامل معه مريحا لا يحمل كُلفةً أو عناء.

  • الحرص من الغرور والكبرياء

يفرح كثيرا المجتمع الكنسي بأي “مؤمن جديد” وينهال عليه بكلمات البركة والإعجاب والامتداح والإطراء والثناء والروعة لا سيما لو تشارَك “المؤمن الجديد” باختباره على الملأ، ذلك في الوقت الذي يكون فيه “المؤمن الجديد” في أمَس الاحتياج لكلمات التشجيع والمدح والتعضيد بسبب ما يمر به من تحديات وعالم ومجتمع جديد، فيُصاب أحيانا هذا “المؤمن” بشيء من التفاخر أو التعالي أو التكبر وإحساس النشوى أو أنه “بطل خارق” أو “قديس عظيم” ما يعوق إيمانه عن النمو في هذه الفترة الخاصة جدا من بداية إيمانه، لهذا الحذر مطلوب في كل وجميع التحركات والتصرفات بل أيضا ردودات الأفعال.

ختاما.. سنتطرق في المقالة القادمة لكيفية تعامُل “المؤمن الجديد” مع مجتمع “الإخوة المؤمنين الجُدد” الذي هم من نفس خلفيته وظروفه. فلكل مجتمع طبيعته الخاصة وطريقة التعامل السليمة الحكيمة معه.

مؤمن جديد .. واستايل جديد ج2 قراءة المزيد »

مُجتمَع جديد .. فِكر جَديد!

عادةً ما يُصاحِب التغيير ألم ومخاوف، ولأن الانسلاخ من أمورٍ نشأنا وتربينا ونمينا عليها ليس بالأمر السهل، قد تطول مدة اتخاذ قرار التغيير، ناهيك عن أن مثل هذه القرارت، دائما ما تعقبها فترة – أكذب عليك عزيزي لو قلتُ إنها قصيرة- فترة من الصراعات والتردد والتشككات، والأفكار التي قد تدعوني للعودة إلى مِنطقة ما قبل القرار.

هذا يواجهه المَرء، على كافة المستويات والأصعدة، فنراه يواجهه لو انتقل أو تحوَّل من فكِر لفكر، من مجتمع لاخر، من بلدٍ لآخر، من عملٍ لآخر، من صداقات عَلاقات شراكات، توجهات سياسية، تحولات اجتماعية أو طبقية، نراه حتى لو انتقل من تشجيع نادٍ لنادٍ آخر.

هذا كله يكون في بدايته صعبا على المرء متخذ القرار، بل والمحيطين به وأحبائه ومن هم في نفس دائرته أو دوائره. صعبٌ من حيث التعود والتكيُّف والتمرُّن على حياة جديد واستايل حياتي وفكري ونمطي جديد.

لكن إن كان هذا صعبا على المستويات الدنيوية والحيايتية.. كم وكم لو كان هذا على المستوى الديني أو الروحي. وهذا هو “لُب” حديثنا في هذه السلسلة من المقالات، التي سنتحدث فيها بشيء من التفصيل المبسط عما يمر به الإنسان الذي يتخذ أصعب قرارت حياته بالتحول من اتجاه ديني لاتجاهٍ آخر، بالأخص في مجتمعاتنا الشرقية المعروف عنها تدينها الشديد، وتشددها في التعامل مع الآخر ومع الاختلاف عامةً.

هنا نواجه مشكلة أخرى وهي معلوماتي عن الآخر..!

وهذه ثقافة شِبه منعدمة لدى الشرقيين، فتجد الواحد مِنا يستقي ويستقبل ويتلقى معلوماته عن الآخر لا من الآخر نفسه بل من المختلف مع هذا الآخر. فتجد المسيحي يتخذ كل معلوماته عن غير المسيحي من شخص مسيحي، وتجد غير المسيحي يتخذ كل معلوماته عن المسيحي من شخص غير مسيحي، بالتالي لا ألتمس ثقافتي عن الآخر من الآخر نفسه بل من أبناء جلدتي ونفس انتمائي وثقافي؛ بالتالي سيشوبها الكثير جدا من المغالطات والمبالغات والتشويه والتقليل المُتعدَّد أو غير المتعمَّد.

هذا كله يجعل قرار التغيير أصعب من الصعوبة، والأشد قسوة هو تبعات ما بسنُلقيعد التغيير.

لا سيما التغيير على المستوى الديني، لأن من يتخذ قرارا باعتناق الإيمان المسيحي سيتحتم عليه أن يواجه مجتمعاتٍ ثلاثة، مجتمعه السابق الذي تحول منه وعنه، والمجتمع المسيحي الحالي، ومجتمع من هم مثله أي حديثي الانضمام للإيمان المسيحي “مجتمع العابرين”.

هنا سنُلقي نظرةً سريعة على كيفية تعامل “حديث الانضمام للمسيحية” مع مجتمعه السابق.

ببساطة سيتحتم على “المؤمن الجديد” التعامُل من خلال محاورَ ثلاثة هامة قد نوجزها في:

  1. الحكمة والحذر:

من الحكمة بمكان أن يلتزم “المؤمن الجديد” بثبات انفعالي وهدوء داخلي، لأنه في هذه المرحلة، أي مرحلة ما بعد الإيمان مباشرةً يكون في حالة من النشوى والفرح والحماس والاندفاع والرغبة العارمة في مشاركة الجميع بإيمانه الجديد، وبالتغيير المذهل الذي حدث في حياته، والمعجزات التي قد يكون اختبرها واختباره الرائع لمحبة الرب يسوع.

هنا يتحتم عليه، أي “المؤمن الجديد” أن يحتفظ بكل هذه المشاعر بداخله، ويكتفي بالتعبير عنها داخليا وبينه وبين الرب، على ألا يُظهر أي تغيير في لغته أو مظهره أو تفاعلاته أو تعاملاته أو كلماته أو عاداته أمام مجتمعه السابق، فليس من الحكمة في هذا التوقيت البوح والإفصاح وهذا ليس مطلوبا، ولا هو ضد الإيمان في شيء.

بل قد يستطيع الاستمرار كما هو في عباداته وممارساته لكن مخاطبا الله داخليا باللغة الجديدة التي ملأت قلبه وعقله وذهنه.

  • مهارات التواصل والذكاء الاجتماعي:

هنا أيضا لا بد أن يتحلى الإنسان بمجموعة من مهارات التواصل التي يكتسبها الإنسان من الخبرات الحياتية والقراءة والتعلم والاختلاط بالمجتمع والناس والتحديات، تلك  المهارات التي تُمكنه من بناء جسور من التواصل مع الجميع، المختلفين معه قبل المتفقين، بحيث يستطيع أن يتحدث مع كل شخص باللغة التي يفهمها، وتُقرب المسافات بينهما، لا بلغة غير مفهومة أو مستفزة أو مثيرة للتساؤلات وهذا جزءٌ أصيل من الحكمة.

إن أبسط مقومات الذكاء الاجتماعي هي قدرة الشخص على التحكم في عواطفه وانفعالاته وقدرته على كسب مختلف الأطياف وإقامة علاقة معهم قائمة على المشتركات والود والقبول والاحترام المتبادل واللغة الوسطية التي تتيح للطرفين التفاهم والاشتراك والاختلاف حتى بهدوء وسلام.

وهذا يحتاجه كثيرا جدا “المؤمن الجديد” لأن مجتمعه السابق لن يقبل باي شكل من الأشكال حقيقة انتقاله من قناعة دينية لقناعة جديدة، وليس مطلوبا من “المؤمن الجديد” أن يهجر أهله وعائله وأصدقاءه ومعارفه، بل أن يقدم لهم أسمى درجات محبة وقبول الرب لهم. وهذه رسالة هامة جدا علينا تحمُّل مسؤوليتها بنضوج ورجولة.

  • المحبة والوداعة:

وهما أبسط وأهم وأعمق وأغلى ما على “المؤمن الجديد” أن يقدمه لـ”أترابه وأنسبائه وأحبائه وعائلته وإخوته” ومجتمعه السابق. فالمحبة تُذيب القلب وتبرز محبة الله وحنوه ورحمته وصلاحه ووداعته وسماحته، وتفتح طريقا رائعا للعلاقات والصداقة والسند والمعونة، بل تفتح ممرا جميلا من الثقة والراحة والارتياح لدى الآخر، وتكون شهادة جميلة عن التغيير العميق الذي أصاب قلوبنا بسهمٍ من النور الإلهي.

إذن الحكمة والتواصل الجيد والمحبة، هم أجمل وسائل وأسلحة يمكن بها لـ”المؤمن الجديد” أن يظل محتفظا بعلاقته الجيدة مع مجتمعه السابق، دون إثارة للغضب، أو إدخال نفسه في نفق من الصراعات والخطر، ما يقوده لحياة هادئة مطمئنة، بها سلام وراحة وأمان، واستمتاع بالحياة الجديدة.

سنتناول في المقالتين القادمتين كيفية تعامل “المؤمن الجديد” مع المجتمع المسيحي ومع مجتمع من هم مثله.

مُجتمَع جديد .. فِكر جَديد ج1 قراءة المزيد »

البركة وتطوير الذات

  • هل للإنسان دورٌ في الحصول على البركة؟
  • هل تطوير ذاتي يتعارض مع عمل الروح القدس داخلي؟
  • ماذا أفعل لأكون حسب المشيئة والنموذج الإلهي؟

هل تساءلت تلك الأسئلة وأخذتك الحيرة.. تعال – عزيز القاريء – لنستكمل معا رحلة الحصول على “البركة”، ونتعرف على، ونكتشف إجابات تلك الأسئلة.

البداية – بكل بركة روحية!

كما وضحنا في مقالات سابقة أن الله أمر بالبركة لكل مؤمن، وهناك نص كتابي عن هذا الأمر؛ إذ يقول: “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ،” (رسالة أفسس 1: 3)؛ لكن هل فكرتَ من قبل ما نوع البركة هنا؟ الإجابة بكل بساطة:

أ) البركة في طبيعتها روحية؛ أي تعلو عن بركات (العهد القديم) المادية/ الزمنية/ الوقتية، بل بركات عهد جديد خالدة، بركات من طراز أعلى وأرقى من مجرد صحة وأموال وسيارات وأكل وشرب.. إلخ، بل تتعلق بالروح القدس روح هذه البركات.

 ب) دائرتها في الأمور السماوية “السماويات”؛ أي آتيةٌ من فوق، لكي تسمو بالمؤمنين.

ج) أساس هذه البركات: في المسيح؛ فمن خلاله فقط تسري تلك البركات فهي – حصرية – في المسيح، ولا تعتمد علينا بل على نعمته.

ماذا عن البركات الزمنية المادية؟

هل معنى ذلك أن الله لن يعطينا بركات مادية وأموالًا؟ لا لم يقل الله ذلك على الاطلاق، لكنه نقلنا لمستوى أعلى وأسمى؛ ليوضح لنا أنه يريد لنا الأفضل والأبقى!

لكن لكي تكون مباركا ماديا؛ عليك أن تضع يدك في يد الله، وتكون عاملا معه، ساعيا باجتهاد نحو البركة؛ فبدون أدنى شك لنا دور – أنا وأنت – والله ينتظر منا أن نأخذ هذا الدور.

لا تعارض بل تكامل وتعاون!

هل يتعارض دور الإنسان في الحصول على البركة الزمنية مع دور الروح القدس؟ بكل تأكيد لا، فالله سعى منذ البدء أن يعمل الإنسان ليجمع ثمر تعبه، فنفخة الله التي في الإنسان نفخة “مبدعة”، “مثمرة”، لا تكف عن الحركة والنشاط! وعندما نسلم ما نعمله ليكون تحت قيادة الله؛ سنحصد بركات وفيرة من الذي وعد أنه يُعطي بكل غنى للتمتع.

خطوات عملية للتطوير

إن كان الله وعد بالبركة، وطلب أن نجتهد ونسعى؛ فهذا دورنا الذي لابد أن نجتهد فيه؛ لنعمل على أنفسنا، ونطورها بالدراسة، والتعليم المستمر.. وإليك بعض النقاط المقترحة للتطوير:

       (1) لا يمكنك أن تخطو خطوة واحدة نحو البركة (أوالتطوير) وأنت في منطقة راحتك! اخرج من منطقة الراحة الآمنة التي بلا تحدٍّ ولا مغامرة ولا جدية!

     (2) ضع أهدافا محددة لحياتك؛ ضع لك قائمة مهام محددة بخطة محكمة بنظام ووقت والتزام.
       (3) تغلب على مخاوفك وماضيك؛ لا تدع الخوف يعرقلك عن التقدم للأمام.
       (4) تعلم مهارات جديدة؛ ادرس لغة جديدة، تعلم حرفة ما لم تكن تتقنها.. إلخ.
       (5) كن مستمعا جيدا؛ تعلم من الآخرين وتجاربهم لتكتسب خبرات جديدة.
       (6) حافظ على وجود شبكة علاقات مثمرة من الأصدقاء الداعمين لك.
      (7) لا ترتكن على نجاحات الأمس.. كن طموحا أكثر مما أنتَ عليه الآن!
* أخيرا هذا هو “النموذج الإلهي” الذي يُريدك الله أن تكون عليه: إنسان متكل على الله مُفوض له الأمر، غير متواكل أو متقوقع حول ذاتك، تعمل باجتهاد وسعي دون ثقل الهموم والضغوط، ولأنك في المسيح مُبارك روحيا وزمنيا أيضاً فأنت تجتهد كل يوم لتطور نفسك، مُبـادرا نحو مساعدة الآخرين. وبهذه الصورة ستصير أنت نفسك “بركة” لكل المحيطين بك.

البركة وتطوير الذات ج3 قراءة المزيد »

المساعداتِ .. التواكُل .. الاعتماديَّة!

  •  ما الفرق بين “الاتكال” و”التواكل”؟
  • هل التواكل والاعتمادية خطية؟
  • هل حياة السعي والاجتهاد تتعارض مع حياة الاتكال على الله؟

منذ أن خُلق الإنسانُ ووضعه الله في الجنة، وكان الهدف الإلهي أن يكون مثمرًا و”عاملًا إيجابيًّا” لا مجرد مُستَقبِل للنِّعَم والهبات الإلهيَّة، فهذا لا يتعارض مع نِعَم الله وإحساناته وعطاياه على الإطلاق؛ فالعملُ والاجتهادُ مسؤوليةٌ وضعها الربُّ الإلهُ على الإنسان منذ البدء.

عالم شرير وعوز وأنين!

نعيش في عالمٍ شرير، لا يعرف البركةَ التي لنا في المسيح، يرفضنا ويقف ضدَّنا ويضطهدنا لأجل اختياراتنا وحياتنا الجديدة، فنتعرض لعوز ماديٍّ واحتياجٍ شديدٍ… فكل شيءٍ قد تغيَّر؛ فقد ننتقل من مكانٍ لمكانٍ آخر بعيد، وقد يضطرُّنا الأمرُ لتغيير المِهَن التي كنا نعمل فيها في أوطاننا. كل هذا يؤثر على وضعنا المالي، في ظل أزمات اقتصادية طاحنة يمر بها العالم من حولنا، وهنا نقف في حيرة نسأل: يـا رب كيف سنعيش وسط كل هذه الصراعات والاحتياجات؟ هل من مَخرَجٍ ومَنفَذٍ لتلك الأزمة؟!

يدُ اللهِ المُمتدَّةُ بالخير لا تتوقَّف!

لا يكفُّ الله عن تقديم العون لنا بطرقه المتنوعة والعجيبة، التي فيها يستخدم المؤمنين الذين قبلوا الرب في قلوبهم بالحق ليكونوا عونًا لبعضهم البعض، فيباركون بعضهم البعض بالبركة التي أخذوها من الله. لكن هل هذا الأمر عليه أن يستمر دون تمييز؟ وهل استمراره في صالح المؤمن أم ضد مشيئة الله؟!

هل المساعداتُ الماديَّةُ ضدَّ مشيئةِ اللهِ لنا؟

إن مشيئة الله لكلِّ مؤمنٍ أن يكون “بركةً” ويبارك الآخرين… هذا هو نصف الحقيقة الأول، أما النصف الثاني: هو أن يكون عاملًا باجتهاد لا بيدٍ رخوة (سفر الأمثال 10: 4)؛ فالكتاب المقدس لا يُمكنه أن يُساند الكسل أو التكاسل، بل يوصي المؤمنين أن يكونوا عاملين باجتهادٍ غير متكاسلين وأن يشتغلوا بهدوء وتكون كلُّ أمورهم بترتيب ولياقة، فالإيمان والاعتمادية لا يمتزجان أحدهما بالآخر، والاجتهاد والسعي هما الرفيق الصحيح للإيمان أما غير ذلك قد يكون مجرد ادعاء!

ما أبعد الفارق!

إن “حياة الاتكال” على الرب والثقة به وتفويض الأمر له سبحانه من علامات حياة الإيمان، لكن المشكلة تكمن في الفارق الكبير والعميق بين ذلك وبين ما يُسمَّى بـ”التواكل” الذي فيه يُسلِّم المؤمنُ نفسه لحياة السلبية والتقوقع حول الذات وحياة الأنا مستسلمًا لطبيعته الفاسدة التي تتمرَّد على ترتيب الله. فكلمة الله أوضحت لنا في أكثر من موضع أن في كل تعب منفعة وأن العمل هو خطة الله للإنسان منذ القديم (سفر التكوين 2: 15). فلا يليق بالمؤمن أبدًا أن يتواكل “بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلًا الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ.” (رسالة أفسس 4: 28). لكن هذا لا ينفي بتاتا أن نُدرك أهمية المال وكيفية كسبه بطرق صحيحة وكيفية إدارته، وهو ما سنتناوله بشيءٍ من الإيضاح في مقالةٍ منفصلة

اِلقِها على الرب وتحرَّك بإرشاده…!

القارئ العزيز، ربما تمر حاليًا بأوقات عصيبة، تهديدات، مجادلات، مشاحنات، قلب مثقل بالضغوط، قد لا تعلم ما الخطوة القادمةوغيرها من الأمور الصعبة. عندي لك خبرٌ سارٌّ: إن كنت قد وضعت ثقتك وسلَّمت حياتك لمن بيده مقاليد الأمور مالك الملك سبحانه الرب يسوع المسيح، فما عليك سوى أن تلقي عليه همك (احتياجك) وتصدق بأنه سوف يعولك أكثر جدًّا مما تفتكر أو تظن. لذلك كن حساسًا لسماع صوته الذي بكل تأكيد سيقودك لتكون مُثمرًا. واطمئن طالما وثقت فيه، فهو قد وعد (وهو الصادق والأمين) أنه لن يُخذل كل من تعلق به.

ختاما يُمكننا الاسترشاد بمقولة الشاعر النروجي آرنِه غاربورغ، حين قال إن المال «يشتري الطعام لا الشهية؛‏ الدواء لا الصحة؛‏ الفراش المريح لا النوم؛‏ العِلم لا الحكمة؛‏ الحليَّ لا الجمال؛‏ البيوت الفخمة لا الدفء؛‏ التسلية لا الفرح؛‏ المعارف لا الاصدقاء؛‏ الخدم لا النزاهة».‏

هنا علينا أن ننظر نظرة صحيحة للمال، ونعتبره وسيلة لا غاية،‏ وهكذا نعيش بسعادة واكتفاء.‏ ويحذِّرنا الكتاب المقدس من أن:‏ «محبة المال أصل لكل أنواع الأذية،‏ وهي التي مال وراءها البعض فطعنوا انفسهم طعنا بأوجاع كثيرة».‏ —‏ تيموثاوس الأولى ٦:‏١٠‏.‏

من الواضح اذًا ان ما يسبِّب الاذية ليس المال بحد ذاته إنما محبة المال.‏ فإعطاؤه أهميةً زائدةً عن اللزوم يُحدِث أضرارا كثيرا نحن في غِنى عنها.

المساعداتِ .. التواكُل .. والاعتماديَّة ج2 قراءة المزيد »

العمل.. دورُ اللهِ ومسؤوليَّةُ الإنسانِ

“العيِّل بييجي برزقه”، “قول يا باسط”، “العبد في التفكير والرب في التدبير”… وغيرها من العبارات التي تنتشر بشدة في مجتمعاتنا، وتسببت على مدار عشرات السنوات في العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، بدايةً من الانفجار السكاني، وصولًا إلى تدنِّي مستوى الدخل للفرد، وزيادة معدلات الفقر، وتصاعد نِسَب البطالة، وغياب الكفاءات العملية الحقيقيَّة، ثم إلى انتشار العنف والجريمة، والتديُّن الزائف، والتواكُل، وغيرها من السلوكيات المدمِّرة للمجتمع.

بالطبع ليس المقصود أن الله سبحانه لا يتدخل أو لا يدبر أو لا يرزق، فهو قادر وقدير. لكن المقصود هو الاستخدام الخاطئ لهذه العبارات التي تبدو أنها تدل على الإيمان بالله وقدرته، لكن استخدامها بطريقة خاطئة من قِبَل البعض جعلها مبررًا للكسل وعدم تحمُّل المسؤولية، وعدم الرغبة في إتقان العمل ليكون على أحسن وجه. 

لماذا نحن هنا؟  

هذه الأفكار تدعونا للتساؤل حول سبب خلق الإنسان، ودوره، ومسؤوليته تجاه المجتمع. يقدم سفر التكوين، أول أسفار الكتاب المقدس، قصة خلق الإنسان بطريقة مشابهة تقريبًا لقصص الخلق التي ترد في مُختَلَف الديانات، لكن يتوقف عند جملة مهمة، في رأيي أنها تؤكد على مسؤولية الإنسان ودوره تجاه الخليقة، يقول: “وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا” (سفر التكوين 2: 15). هذه الكلمات تشير بقوة إلى أن عمل الإنسان هو جزءٌ رئيسٌ من فكر الله تجاه الخليقة كلها، وأنه خلق كلَّ كائنٍ في الطبيعة لدورٍ ووظيفةٍ، بدليل أن التوازن البيئيَّ قد يختل بسبب غياب أحد الكائنات. فما بالك بالإنسان، الذي أوكله الله على هذه الخليقة!

لهذا أدعوك عزيزي القارئ لتخيُّل مجتمعٍ لا يقوم فيه أحد بوظيفته؛ فالعامل في المصنع لا يذهب لعمله أو لا يتقنه على اعتبار أن الله سيهتم بالأمر، والمُزارع يترك أرضه دون اهتمام أو رعاية أو مجهود في الزراعة، والمدرِّس والطبيب والمهندس… إلى آخر القائمة. كيف سيكون حال هذا المجتمع؟ إن عدم اهتمام الفرد بعمله لا يؤثر فقط عليه لكن على جميع المحيطين به، ومعنى هذا أنَّ كلًّا منا له دور وعليه مسؤولية يجب أن يراعيها ويقوم بها على أكمل وجه.

ولقد أكد الكتاب المقدس على أهمية العمل فيقول سفرُ الأمثال، الذي كتبه النبيُّ سليمان: “مَنْ يَشْتَغِلُ بِحَقْلِهِ يَشْبَعُ خُبْزًا، أَمَّا تَابعُ الْبَطَّالِينَ فَهُوَ عَدِيمُ الْفَهْمِ” (أمثال 12: 11).

“من لا يعمل لا يأكل”

بولس الرسول، كان واحدًا من أهم مَن كرزوا بالسيد المسيح ونشروا تعاليمه في العالم القديم، وكتب 13 سفرًا، بوحي من الله، ضمن أسفار الكتاب المقدس. ورغم هذا لم يترك بولس الرسول عملَه؛ إذ كان يعمل صانعَ خيامٍ، لدرجة أنه استطاع أن يقول إنه لم يأكل من أحد خبزًا مجانًا، بل عمل بكد ليل نهار ليوفر احتياجه.

والموقف الأهم الذي يعكس رؤية المسيحية لضرورة العمل والمسؤولية، يأتي في رسالة كتبها بولس الرسول إلى مدينة تُدعى تسالونيكي. اعتقد بعضٌ من أهل هذه المدينة، بعدما آمنوا بالسيد المسيح، أنهم مدعوون فقط للصلاة والعبادة، فتركوا أشغالهم. فما كان من بولس الرسول إلا أن أرسل إليهم لينهاهم عن هذا السلوك المرفوض، قائلًا: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا” (رسالة بولس الرسول الثانية إلى تسالونيكي 3: 10).

يريد اللهُ منَّا أن نتحمَّل مسؤولياتنا تجاه أنفسنا ومجتمعاتنا، يريدنا أن نقومَ بأعمالنا على أكمل وجه وعلى أحسن ما يكون. وقد خلق فينا عقلًا استطاع أن يحقِّق معجزاتٍ ويصعد للفضاء ويطير في الجو، ويخترع اختراعات غيرت شكل الحياة تمامًا، فمنحنا القدرة والقوة والفهم للقيام بأعمالنا، منتظرًا منا أن نتمَّها على أكمل وجه.

العمل.. دورُ اللهِ ومسؤوليَّةُ الإنسانِ ج1 قراءة المزيد »

طريقة التعامل الصحيحة مع المال

يُحكي عن أحدهم أنه مر من باب دخول أحد متاحف المدينة وهو فارغ اليدين، إلا أنه قام بعمل غريب؛ إذ بدأ يجمع اللوحات الفنية وينزلها من على الحائط ويضعها بحرص تحت ذراعه. فذهب إليه أحد المارة وسأله ماذا تفعل؟ فأجابه: “أنا جامع لوحات فنية وأريد تجميع أكبر قدر ممكن من اللوحات الفنية الجميلة لاستخدامها في العديد من الأغراض!” فرد عليه: “لكنها ليست مِلكك، ولن يسمحوا لك بالخروج بها. ستُضظر للخروج بدونها تمامًا كما دخلت!” لكنه أصر أنه سيخرج بها ولن يفرط فيها واصفًا نفسه بـ”تاجر يحمل لوحاته الفنية ويتنقل بين الصالات والمتاحف!” وطلب ألا يُفسد أحد فرحته!

القارئ العزيز… ما رأيك في هذا الشخص؟ كيف تصفه وتصف فعلته وكلامه؟! هل ستقول عنه إنه مجنون ويعيش في عالم بعيد عن الواقع. الحقيقة هذا هو حال كل إنسان يقضي حياته في محبة المال وكأنه سيخرج من العالم ومعه حسابه البنكي. لكن بكل وضوح يقول الله على لسان الرسول بولس: “لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لاَ نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ” (رسالة تيموثاوس الأولى 6: 7)، إذًا إن كنا لا نستطيع أن نخرج به فلا بد أن نحسن إدارته واستخدامه هنا على الأرض. لكن هذا لا ينفي أننا جميعا في احتياج للمال من أجل قضاء حاجياتنا والتزاماتنا وتتميم عمل الرب ومساعدة الآخرين، لكن في هذا الإطار بعيدا عن إطار استعباده لنا.

الوكالة والمسؤولية

لقد منحنا الله المال كعطية وبركة، ونحن مدينون له بأن نكون وكلاء صالحين على هذه الهبة الإلهية لنستخدمها حسب معيار الوكالة، ألا وهو “مجد الله” أي يكون سببًا لتمجيد وتسبيح اسمه سبحانه.

كيف نستخدم المال بطريقة تمجد الله؟

وكما أشرنا، أننا وكلاء ومسئولون أمام الله عن كل ما أعطانا من مال، لذلك يحب أن تكون لدينا خطة نستخدم بها المال بطريقة كتابية:

أولًا، بالعطاء: كن سخيًّا في العطاء؛ فالفكر الأساسي في المسيحية هو العطاء والتضحية واضعين الرب يسوع مثالًا على ذلك. أعطِ بشكر وتوقع بأنك ستحصد أضعاف ذلك.

ثانيًا، بوضع خطة جيدة لإدارة ما تملك؛ التزام بميزانية محددة ولا تُغرق نفسك في الديون.

ثالثًا، بالعمل والاجتهاد بأمانة دون طمع؛ لنُحافظ على عطية الله، فدور الإنسان لا يتعارض أبدًا مع دور الله!

رابعًا، بالتفكير فيما تنفق عليه من مالك؛ تعامل بحكمة ولا تضيع وقتك ومالك على عادات سيئة تافهة لا تمجد الله.

خامسًا، استخدم أموالك لمساعدة الآخرين، ولكن بتمييز وإرشاد من الله.

سادسًا، قاوم النزعة إلى الشراء دون تخطيط مسبق، لا تنجذب نحو “العروض” الاستهلاكية التي قد لا تحتاجها!

سابعًا، لا تتسوق بقصد التسلية وتحسين المزاج.

ثامنًا، اعرف وضع المالي بين الحين والآخر، واجلس لحساب النفقة دائمًا!

تاسعًا، تعلم ثقافة الاكتفاء والقناعة؛ إذا لم نتعلم القناعة سنكون عرضة لكل الأمراض الروحية!

عاشرًا، اكسب كل ما يمكن كسبه، هذا لا يتعارض مع كل ما سبق؛ فالله دائمًا يريد لنا الأفضل.

ضع ثقتك في الله لا المال!

 تدعونا كلمة الله بأن تخلو سيرتنا -حياتنا- من محبة المال والاتكال عليه وبأن تكون لدينا القناعة والاكتفاء بما لدينا، ليس معنى ذلك أننا لن نقلق بشأن أمورنا المادية، بل لكي تساعدنا في السيطرة على مشاعر الهم؛ فلا ننهار إذا تعرضنا لخسارة مالية، بل نعيش بالفكر الذي عاشه الرسول بولس عندما قال: “أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي”.

*صلاة: اللهم أشكرك يا مُدبر أحوالي… أسألك أن تمنحني الحكمة في إدارة ما لديَّ من عطايا، علمني يا سيدي أن أشكر وأكتفي بما عندي. آمين.

طريقة التعامل الصحيحة مع المال ج3 قراءة المزيد »

فكر الله تجاه المال

هل تقول المسيحية إن المال شرٌّ، وتُوصي بالزهد والتقشف تجاه جمع الأموال؟

هل يأخذ الله في الكتاب المقدس فكرا عدائيا تجاه المال والأغنياء؟

سنتعرف في هذه المقالة على ما هو فكر الله تجاه المال، أو ماذا يقول الكتاب المقدس عن المال. الحقيقة هذا السؤال غاية في الأهمية؛ لأن طريقة تفكيرك عن المال ستؤثر على سلوك وتعاملاتك في حياتك الجديدة.

 هل حقا المال شر في ذاته؟

السؤال الأول الذي يدور في أذهاننا ويسبب لنا حيرة، ما فكر الله تجاه المال؟ وحتى لا أطيل عليك عزيزي بكل تأكيد (وكما أوضحنا في المقال الأول) يريد الله البركة للإنسان. يريد له الأفضل في كل مناحي الحياة.

والمال أو الغنى هو إحدى هباته، مثله مثل أي خير في الحياة، بل هو “عطية الله”؛ إذ تقول كلمة الله “أَنَّهُ هُوَ ٱلَّذِي يُعْطِيكَ قُوَّةً لِٱصْطِنَاعِ ٱلثَّرْوَةِ، لِكَيْ يَفِيَ بِعَهْدِهِ ٱلَّذِي أَقْسَمَ لِآبَائِكَ كَمَا فِي هَذَا ٱلْيَوْمِ”. (سفر التثنية 8: 18). وهذه العطية لا بد أن نقبلها بشكر من الله. إذا أين المشكلة؟!

محبة المال هي أصل كل الشرور!

المشكلة ليست في المال، فهو في حد ذاته ليس شرا – كما أوضحنا مسبقا – لكن يكمن الخطر في التعلق به، أو كما تقول الكلمة المقدسة، إن مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ.” (رسالة تيموثاوس الأولى 6: 10).

السؤال الذي يقفز الآن إذن: لماذا محبته هي أصل لكل الشرور؟

أربعة أسباب تجعله أصلا لكل الشرور!

السبب الأول: التوهم بأن المال هو “عماد الحياة”، فيصبح الإعتماد عليه وكأنه هو الإله الذي يعبده! وهذا شرك بالله؛ لأنك بالإتكال عليه تجعله مصدر حياتك، وقد حذر الله في (سفر الأمثال 11: 28) مَنْ يَتَّكِلْ عَلَى غِنَاهُ يَسْقُطْ، أَمَّا ٱلصِّدِّيقُونَ فَيَزْهُونَ كَٱلْوَرَقِ”.

السبب الثاني: الطمع والرغبة في المزيد؛ أحيانا تسبب الوفرة راحة، والراحة تطلب المزيد؛ فتصبح الرغبة والتعلق أكثر فأكثر؛ ومعه يُولد الطمع، وقد حذر السيد المسيح في الإنجيل بحسب البشير لوقا 12: 15 من ذلك.

السبب الثالث: وهو أن نتيجة السبب الأول والثاني تجعل الإنسان يهتم بالأخذ أكثر من العطاء، لأنه بدأ يحب المال ويتعلق به، وهذا ضد تعاليم السيد المسيح والإنجيل، التي تدعو الإنسان أن يُعطي أكثر مما يأخذ.
السبب الرابع: وهو أن محبة المال، تجعل الإنسان عبدا له، فالمال صُمم ليكون خادما للإنسان في احتياجاته، لا ليكون سيدا يتحكم فيه ويستعبده! (الإنجيل بحسب البشير متى 6: 24).

النظرة الإلهية للمال

– في ختام هذه الفكرة نقول إن الله لم يتركنا دون توضيح عن فكره تجاه المال والماديات والغنى، بل كشف لنا الخطوط الأساسية لذلك، فلم تصرح المسيحية بأنها ضد الأغنياء، أو أن المال شر، أو تدعو للزهد فيه، بل وضحت أن محبته والتعلق به هي أصلٌ لكل الشرور.

– المال “منحة” من الله وهو الذي أعطانا القدرة والمهارة لإكتسابه.

– المال “غير يقيني”؛ أي غير مضمون؛ لذا لا يمكنك أن تكون عاقلا فتتكل عليه أو تظنه ثابتا!

– المال “وكالة” من الله، نحن وكلاء ويسيأتي اليوم لنعطي أمام الله حسابا عن ماذا فعلنا به خيرا كان أم شرا!

– المال لا يمكنه أن يشتري السعادة أو الصحة أو راحة البال.. فكل هذه الأمور أساسها العلاقة الحقيقية مع الله، عندما تسلم حياتك وقلبك للسيد المسيح وتؤمن به ربا ومخلصا لحياتك.

*صلاة: اللهم أشكرك لأجل عطاياك الثمينة.. شكرا لأجل كل مال منحته لي، علمني يا سيدي أن أكتفي بما عندي مثبتا عيون قلبي عليك يا مُشبع بالخير عمري.. أمين.

فكر الله تجاه المال ج2 قراءة المزيد »

مفهوم البركة في المسيحية

“ربنا يباركلك فيها”..!

“يجعل لك في كل خطوة سلامة”..!

“يرزقك- يا رب- من حيث لا تحتسب”!

“البركة رزق مش كُتر”.

مَن مِنا لم يسمع هذه الكلمات من أحد والديه، أو من شخصٍ عزيز عليه، أو شخص يقوم بالدعاء له..؟ مَن مِنا لم يقل هذه الكلمات في ظروفٍ مختلفة، أو مناسباتٍ عديدة..؟ لكن، تُرى هل توقفتَ، عزيزي، ولو لحظات، أمام هذه الكلمات، وتفكرت وتدبرت في معانيها؟

هل سألتَ نفسكَ ما الذي تعنيه كلمة “بركة”؟ وهل البركة مرتبطة فقط بالماديات “الفلوس”؟ هل الله، جل جلاله، وتعاظم شأنُه، يبارك جميع البشر؟ أم يختار بشرا بعينهم ليباركهم؟

وهل مفهوم البركة لدى الله يختلف عن مفهومه لدى الإنسان؟

هل الله يبارك أتباع دين معين والباقون “ملعونون” يعانون ويكدحون في الحياة؟

أخيرا وليس آخر: هل يختلف مفهوم البركة من دينٍ لآخر..؟!

يكشف لنا الكتاب المقدس في أولى أسطر صفحاتِه عن فِكر الله تجاه البركة، إذ يشكف لنا عن أن مشيئة الله للبشرية جمعاء بل وللأرض برُمتها هي البركة والإكثار والإثمار.

لذا تعالوا أولا نمر مرورا سريعا على المعنى اللُّغوي لكلمة بركة بحسب قواميس الكتاب المقدس.

عندما نتتبع المواضِع التي ذُكِرت فيها كلمة بركة عبر صفحات كتابنا المقدس نجد أنَّ معانيها أتت على نحو أنها تَعني “مدحا، تهنئة، تحية”، بل وتستخدم أحيانا بمعنى “سعادة”، وتعني أيضا النماء والزيادة والتضاعُف.

ونجد أنها أولى الوصايا الكتابية التي وردت في الكتاب المقدس؛ إذ قال الرب للجنس البشري، وأوصاه، “وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».” (تكوين 1: 28).

ولو أردنا أن نُبحر عبر رحلةٍ عقلية بسيطة نستكشف بها منطقية البركة تعالوا نرى كيف يُحب الأب أولاده!

نعم الأب..!

فالله يحبنا نفس نوع محبة الأب لابنه، هنا لو أخذت بضع دقائق تفكر في مظاهر محبة الأب لابنه، ونوع الحياة التي يتمناها أي أب لابنه سيتبادر لذهنك أولا وقبل أي شيء العبارة الشهيرة الخالدة التي كثيرا ما رددها آباؤنا على مسامعنا وهي “الأب هو الوحيد اللي بتمنى يشوف ابنه أحسن منه”.

هذه الجملة المألوفة العبقرية .. أوجزت فأنجزت كل ما نريد قوله.

فالأب يريد لابنه أحسن تعليم

أحسن صحة.

أحسن مستوى مادي واجتماعي

أفضل تربية وأخلاق وخِصال حميدة

مستوًى معيشيا جيدا

أن يكون ناجحا متفوقا متميزا في حياته الشخصية والعامة.

نافعا لنفسه ولأسرته ومجتمعه ووطنه.

يريد لابنه أن يحيا في أمن وأمان

يريد له أن يكون مرتاح البال في طمأنينة وسكينة

يريد له السعادة

يريد أن يؤمِّن مستقبله

إلى ما آخر القائمة التي تضمن للابن حياة مُبارَكة

وكل أب مقتدرا كان أو ليس، يبذُل كل ما في وسعه ليلَ نهار من جهد وكد وتعب واجتهاد من أجل إسعاد بنيه وتوفير حياة كريمة لائقة لهم.

وهذه هي البركة.. البركة هي ثمرة ونتيجة وتفعيل محبة شخص لشخص آخر.. محبة مُترجَمة لأفعال عملية لها أثر وواقع على حياتي كإنسان.

ثق يقينا عزيزي أن محبة الله لك أعمق وأكبر وأضخم بكثير من محبة أبيك الأرضي لك.

والله يريد لك أن تحيا حياة آدمية إنسانية كريمة في كل زوايا حياتك. “أَيُّهَا الْحَبِيبُ، فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرُومُ أَنْ تَكُونَ نَاجِحًا وَصَحِيحًا، كَمَا أَنَّ نَفْسَكَ نَاجِحَةٌ.” (رسالة يوحنا الحبيب الثالثة 1: 2).

نعم هذا يتناقض مع كل ما سمعناه وتوراثناه عن أن الله خلقنا ليبتلينا ويمتحن صبرنا وأن “الأرض” دار عناء وشقاء ومِحن وأن من يحبه الله يبتليه.

هنا لزاما علينا الثورة على كل موروثات تتنافى مع العقل والمنطق والفطرة والإنسانية.

وحريٌّ بنا التنويه والتأكيد أن سمة أنواع عديدة للبركة، وأن البركة ليست مادية فقط.

لكن الله أيضا لا يريد خَلْق بشر متواكلين اعتماديين؛ لهذا لا يفعل الله شيئا بمعزل عن إرادة الإنسان ودوره؛ لهذا سنتناول في المقالات القادمة بشيءٍ من التفصيل أن البركة مسؤولية مشتركة بين الله والإنسان، يبدأها الله بنفسه؛ لأنه دائما ما يمتلك روعة المبادرة، لكن لن تتحقق هذه البركات دونما يقوم الإنسان بدوره على أكمل وجه.

تطبيق بسيط: ابحث عبر كتابك المقدس عن أنواع البركة مستشهدا بآية أو واقعة لكل نوع.

مفهوم البركة في المسيحية ج1 قراءة المزيد »